الشمس في الإسلام: آيةٌ من رحمة الله وقدرته وخلقه
كل صباحٍ، قبل أن يشتدّ هجير ظهيرة مراكش أو وهج بعد ظهيرة ورزازات، تطلع الشمس على المغرب - آيةٌ يوميّةٌ ألِفناها حتى نسينا أنها تحمل رسالة. والشمس في الإسلام ليست إلهًا يُعبد، ولا كرةً من البلازما عشوائية؛ بل هي آية، دالّةٌ على من خلقها. ولفهم ما يقوله القرآن والسنّة عن الشمس عمقٌ في عقيدتنا وامتناننا معًا.
الشمس: آيةٌ من آيات الله
يفتتح القرآن إحدى أقوى سوره بقسمٍ بالشمس:
«وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا» - القرآن، الشمس 91:1-4
في البلاغة العربية إذا أقسم الله بشيءٍ رفعه شاهدًا على حقٍّ عظيم. وهنا الشمسُ تشهد على نظام الكون وعلى من وراءه. وقبل ذلك بسورٍ يلخّص القرآن النظام الكوني كله في آيةٍ واحدة:
«الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ» - القرآن، الرحمن 55:5-7
وكلمة «بحسبان» (بحسابٍ دقيق) في غاية المناسبة: فالشمس تسير في مجرىً منتظمٍ حتى ضبط الناس عليه ساعاتهم ومواقيت صلاتهم قرونًا. ولكن انتظامها هذا ذاته هو خاتمُ منظِّمٍ، لا خاتمُ مصادفة.
التوحيد: الشمسُ مخلوقةٌ لا معبودة
أوضح ما يقرّره القرآن عن الشمس أنها مخلوقة، وأن عبادتها شرك لا يغفر إن مات صاحبه عليه. ويروي القرآن قصة نبيّ الله إبراهيم عليه السلام وهو يجادل قومه في شركهم درجةً درجةً عبر سماء الليل:
«فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» - القرآن، الأنعام 6:78-79
وطريقة إبراهيم هي طريقة التوحيد الخالص: كلُّ ما يأفل، وكلُّ ما يتغيّر، وكلُّ ما يستولي عليه الليل - أي كلُّ ما هو مخلوق - لا يكون الخالق. فالشمس على جلالها عبدٌ يطلع بإذنٍ ويغيب بأمر. وعبادتُها خلطٌ بين المصباح وبين من أوقده.
وقد سمّى القرآن عبادة الشمس قديمًا بأسمائها - قومُ سبأٍ «كَانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ» (النمل 27:24) - واجتثّ النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم هذه الممارسات أينما وُجدت.
الشمسُ تسجد لربها
في حديثٍ مشهورٍ في صحيح مسلم سأل النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا ذرّ عند غروب الشمس:
«أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟» فقال أبو ذرّ: «الله ورسوله أعلم». قال: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا…» - مسلم
وهذه صورةٌ تَأخذُ بالأنفاس. نجمٌ يفوق الأرض أكثر من مليون مرةٍ في الحجم، يفيض علينا نوره كل يوم، وهو نفسه عابدٌ يسجد لربّه. ويتمّ الحديث: أنه عند اقتراب الساعة يُمنع الإذن لها بالطلوع - آيةٌ لاقتراب القيامة. فبدل أن يؤلّه الإسلامُ الشمسَ يكشفها واحدةً من أطوع المخلوقات.
الشمسُ تجري في فلكٍ محسوم
قبل قرونٍ من أن تتحدّث الفلك الحديثة عن مدارات المجرات، كان القرآن يصف حركة الشمس:
«وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» - القرآن، يس 36:38
«لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» - القرآن، يس 36:40
وفعل «تجري» وصورة الأجرام «تَسْبَح» في فلكها تعبّر عن حركةٍ مرسومةٍ مقصودة - فالشمس لا تتيه، بل تُساق. والمؤمن الذي يقرأ هذا عند الفجر ويحسّ الشمس على وجهه عند الظهر لا يرى صدفةً، بل قدرًا.
إذا توارت الشمس: صلاة الكسوف
لأن الشمس آية، فإن تواريها المؤقت ذو شأنٍ. وفي اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم حدث كسوفٌ، فظنّ قومٌ أنه حزنًا عليه، فأسرع صلى الله عليه وسلم يصحّح لهم:
«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ إِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» - متفق عليه
ثم صلّى بالناس صلاة الكسوف - ركعتان بتلاوةٍ طويلةٍ وركوعين في كل ركعة. وفي المغرب يعلن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن الكسوف مسبقًا، وتُقام الصلاة في مساجد المملكة جماعةً بتلاوةٍ ممتدةٍ ودعاء.
وأقرب كسوفٍ للشمس يُرى من المغرب سيُعلن على نطاقٍ واسع؛ فاستعلم في مسجدك عن الوقت والترتيب.
المغرب: بلادٌ تحت شمسٍ سخيّة
يستقبل المغرب ما بين 2,800 و3,200 ساعة من أشعة الشمس في السنة - أحد أكثر بلدان الأرض مشمسًا. وهذه الكثرة نعمة، لكنها أيضًا اختبارُ أمانة. ففي الصيف يبلغ مؤشّر الأشعة فوق البنفسجية في المدن المغربية غالبًا 10–11+ (متطرّف)، حتى إن آيةَ رحمة الله ذاتها قد تنقلب بلاءً على المتهاون الذي لا يحمي نفسه.
«وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ» - القرآن، الجاثية 45:13
فليست معرفةُ الشمس آيةً دعوةً إلى التفريط، بل إلى الشكر - استعمال الظلّ الذي رزق الله، والترطيب، وحفظ صحة الجسد المُستودَع. يمكنك متابعة الأشعة فوق البنفسجية والحرارة مباشرةً لمدينتك على weather.moroccohelp.com وقراءة دليل مؤشّر الأشعة فوق البنفسجية.
دروس: تواضعٌ وامتنان
تُعلّمنا الشمس ثلاثةً:
- التوحيد. أعظمُ شيءٍ في سمائنا عبدٌ مع ذلك. فكيف يُعبد عبدٌ لله؟
- التواضع. إن كانت الشمسُ تسجد تحت العرش، فما عسى القلبَ البشريَّ يفعل؟
- الامتنان. النور والدفء ونضجُ الزرع وإيقاعُ الصلاة - كلّها عطايا تحملها شعاعةٌ لم نكتسبها.
خاتمة
في المغرب الشمسُ قريبةٌ يوميّة، غير أن القرآن يسألنا أن نرى وراء وهجها إلى من أجراها. وأن نعيش تحت الشمس - ندعها تضبط صلاتنا، وتدفئ بلادنا، وتُذكّرنا بربّنا - دون أن نخلط أبدًا بين الآتي وبين المدلول. ذلكم قلب التوحيد في الإسلام. فاللهم اجعلنا ممن يتفكّر في آياتك.
ولأوقات صلاتك اليوميّة، وهي بدورها تتبع الشمس، راجع جدول مواقيت الصلاة في المغرب.



